Tuesday, February 9, 2021

لقمان لا تنم قرير العين

أكتب للشرق الغارق في فوضى الفتاوى للتفسيرات غير الدينيّة باسم الله النائم على غمام أفيون الطوائف، وأكتب للغرب العائم على بساط الريح المغيّب على شبكات التواصل بين المصارف الدولية وحسابات شركات تصنيع الأدوية والأمراض والأعراض المُستحدثة وكواليس الحكومات غير المرئيّة التي تُسيِّر أنهار الجليد في القطبين وتقسم الشعوب إلى قُطبين.


أكتب باسم الإنسان الذي دخل متحف التاريخ لانقراض جنسه الذي لم يبقى منه سوى مخلوق يُسمّى بشر، وهو تزاوج بين الضجر والحجر. فبين الإنسان كقيمة إلهية ثقافية جمالية حضارية فكرية، وبين البشر الذي ينهض كل يوم بعد شرب إبريق من الكافيين وساعات وراء شاشة العمل وأمسيات من التضرع والخوف وعمرٌ من اللغات التي لا تتيح التعبير ولا الفهم؛ ها نحن اليوم على عتبات البارود لا زلنا أضعف من صرصورٍ يعرف جيداً كيف يعيش حياته سعيداً وبعيداً عن عالمنا.


اللحظة هذه بالذات، أكتب لك يا من لا يحقّ لي أن ألفظ اسمك الآن، لأني لم أنادِك به قبل تغييبك! لن أسامحم لأنهم قتلوك مرّتين وأردوني معك مرّتين: مرّةً على قيد الحياة ومرّةً على قيد الخجل لأننا لم نتعارف على امتداد هذا الوطن الضيّق الصغير، المخنوق بالعمامات السود التي تفوح منها رائحة الحمّامات، والتي فاقت الفئران وساخةً بنبشها وحفرها للأنفاق التحتيّة، حيث بنت لها مستوطنة لها تحت أقدامنا، وها هي أوكارهم على موطىء أقدامنا تتهاوى وتنفجر بك وبي يا لقمان!


لقمان نحن غرباء داخل بيوتنا وعلى أرصفة شوارعنا وفي مكتباتنا وحدائقنا العامة التي تغيب عن كامل مساحة هذا اللبنانالذي لا يعرفك مثلما أنه لا يعرفنينحن يا لقمان الذين ظننّا بأننا جائعون إلى وطن، نكتشف اليوم، باغتيالك، بأن الوطن نفسه جائعٌ إلى هامات الرجال لأنه لا أثر للرجالات منذ وقت في ربوع لبنان! لبنان هو من اغتالك في قلبي قبل أن يصفّي جسدك الطاهر لِتنبتَ عند هذا الصباح نهراً في دمي سيجري في عروقي وسيحفّزني لأبني لك مقاماً مقدّساً كقدسيّة رغبتك بجعل لبنان وطناً صالحاً للإنتماء، ففي هذا الوطن الصغير، المتشابك بين الأخطبوط الفارسيّ الذي يبحث أبضاً عن نوعٍ آخر من الإمتداد في الإتجاهين، عبر الإنتماء الدمويّ، قد وقع في مصيدةِ فأرٍ متنكِّرٍ بعباءة دينيّة لا تمتّ للإسلام أو لأيّ دينٍ سماويّ نعرفه بصلة، وتحارب السلام باسم الله وباسم البُعْبُعْ الصهيونيّ على مساحةِ وطنٍ صغيرٍ هشٍ لا يتّسع سوى للحب.


لقمان قد قتلوكَ قبل اليوم وقتلوني معك في دكاكين الشاشات اللبنانية التي تبيع لحمنا حلال، ليليّاً عبر برامج الإعلاميين الحوارية التي لا تفقه شيئاً عن آداب التواصل ولا جماليات الحوار والتخاطب بين الضيوف في الأستوديو والضيوف في دكاكين هذا الوطن الكثيرة. لكلّ حزبٍ دكّان ومحطة بثٍّ تبخّ سمّ سياستها الطوائفيّة الضيّقة التي لا صلة لها بالدين لأن الله براء من هذه الطوائف الحزبيّة الشيطانية التي تدّعي الرعاية والبحث الصجافيّ المناقبيّ، وتلبس رداء الفُحش في جلد الصحافيات اللواتي يُطْبَخْنَ في عيادات التجميل البوتوكسيّ والتفريغ الفكريّ. هذه الدكاكين فُتحت على نهج المدارس التي تعلّم الإصطفاف المذهبيّ وتدرّس التفرقة وتحاضر في القتل وتحبك الدسائس وترسم المكائد وتتبارى فيما بينها عمّن يخرّج أعداداً أكبر من الممسوحين فكرياً وثقافياً واجتماعياً ووطنياً.


أكثر ما أوجعني يا لقمان ليس رصاص التهديد، ولا الرصاصة الأولى التي أسكَتَت نبضك، إنما هي الرصاصة الخامسة، كأنهم خافوا منك حتى بعد موتك فأرادوا قتل ذُعرهم من أسلحة كلامك وذخيرة فكرك النوويّة! ألم تكن تكفي رصاصة واحدة؟ بلي. رصاصة واحدة كافية لقتل ديناصور، فكيف لم تكن رصاصة واحدة كافية لقتلك يا لقمان؟ لقد شهدت أعداد الرصاصات عن هول ذُعرهم من قامتك التي هالهم حجم نورها يسلّط الضوء على مجاريهم النتنة، حاولوا أن يجعلوك تموت خمس مرّات، لكن قد فاتهم أنهم برصاصاتهم الخمس قد أعطوك خمسين مرّة أضعاف حجمك قوّةً ستزلزل مخابئهم التي يزحفون فيها كالقوارض في عتمة المياه الآسنة التي يسكرون بها منذ أربعين عام.


أردَتْكَ الرصاصة الأولى مرّةً، أما أنا فقد تمّ اغتيالي وجاهةً في حضرة موتك خمس مرّات متتالية. ظننتٌ أنَّ الموت لا يؤلم! لكنّي متُّ معك خمس مرّات كلّ مرّة أوجعتني أكثر من الأولى، فرصاص الإرهاب يُطبق على جثّة الوطن الذي هَتَرََتْهُ خفافيش الظلام مدّعيةً سِتْرَ أمّةٍ لم تستطع سوى إنجاب مسوخٍ خرساء صمّاء تمشي وراء قائدٍ يستمدّ قوته من تنويم الحاشية بالذخيرة الحيّة؛ فرائحة الدماء مغرية لصنف الوحوش من البشر. وبينما يختبىء في مياه الصرف الصحيّ لأصغر مواطن لبنانيّ، فقد اعتاد ظلامه وكفره ونسي أنّ فوق الأرض والمخابيء، هناك أطفال يشعرون بخربشات حوافره تحت بيوتهم، ومن حرصهم على أرضيّة بيت ثابت يجمع العائلة بأكملها بشكل آمن، ستعلو أيادي هؤلاء الأطفال، اللذين يشاهدون الذعر والجوع والسأم في عيون آبائهم وأمهاتهم، وسينتفضون على هذا الذلّ، لأنّ صوتك قد تناهى إلى محابرهم، وسيكتبون بدورهم عن إيمانهم بأحقيّة هذا الوطن الرسالة، الذي منه نشأت النبوة والمرؤة، ولن يقوموا بتسليمه لعلامات الظلام والإرهاب، فمن جثّتك يا لقمان ستنهض مَرَدة السلام التي ستذوّب اللحى البشعة بجبروت نورها.


لا تنم قرير العين إلى حين نرفعكَ في شوارع الوطن ذخيرة حريّة وترنيمة صلاة ونشيد شكر للداعية إلى الحق الذي أنت عليه.


سليمٌ يا لقمان أنت سليم لهذا خافوك، وسقيمٌ مَن أعطى الأمر بتصفيتك فهؤلاء ليسوا من صنف الإنسان، إنما على هيئته فقط. 


لقمان سيختنقون بموتك أكثر ممّا خنقتَهم بحياتك. انتظرنا قليلاً من الوقت، كي تمشي في عروقنا نبضات الوطن التي عزفها قلبك، فننتفض من ركامنا، نُعليك ونُعلي الوطن سيفاً يفقأ عيونهم فيكون فجرٌ جديد.

ربيعة طوق




Saturday, January 16, 2021

البقاء للأبقى والثقة برحمة الخالق

بينما ظنّ قادة العالم السياسيين، والقيمين على منظمة الصحة العالمية بأن حرب الإنسان مع الفيروس المستجدّ هي مسألة وقت ريثما تجد المختبرات الطبية، بمعرفتها المحدودة، لقاحاً شافياً للمارد المجهريّ الذي فاجأ أكبرالشركات الدوائية بخروجه عن توقعاتهم التي أثبتت عدم مسؤوليتها أمام جائحة بهذه الخطورة، يخرج الفيروس من قمقم سيّده ويعلن سيادته المطلقة على الأرض والإنسان، مطلقاً أنواعاً جديدة لن يكون لدينا متّسع من الحياة لتعدادها ودراستها والخلاص منها.


فلنعترف بأن أصحاب القرارات هم سياسيون لا يفقهون شيئاً من العلم، ولا يعرفون بأن فيروس كوفيد-١٩ سيطوّر نفسه ويتغيّر إلى ما لا نهاية. الوقاية بالطريقة التي نتّبعها منذ عام، نجحت فقط في جعله يطوّر طفرات مختلفة في مختلف البلدان ولدى مختلف الشعوب، بطرق مغايرة يستحيل مع سرعة تطوّرها التوصل إلى فحوصات للكشف عنه، وبالتالي يستحيل معه التوصل إلى لقاح. الحجر سوف يجعل هذه الطفرات تتكاثر وتتغاير إلى ما لا نهاية والحؤول دون تطوير لقاح مضادّ. كيف نطوّر لقاحاً لكائن مجهري يسبقنا ويسبق معارفنا التي حسبناها ستفيدنا في محاربته؟. 


قريباً جداً ستعي الحكومات بأن اللقاح المنتظر سيكافح الشكل الأول من الفيروس والذي لم يعد موجوداً، فقد تطوّر وتبدّل وأصبح أكثر فتكاً وقوةً، ولا يمكن بالتالي مجاراة سرعة تطوره وتحوّله لأنه يفوق قدرتنا على مكافحته معرفياً وعلمياً. هذا ونحن لا نملك بروتوكولاً طبياً عالمياً لمعالجة أعراضه، فكيف بالحري ونحن لا نملك ما يحمينا منه!. 


ما سأقوله يبدو جنونياً، لكن الحلّ الأقرب للمنطق هو نزع هذه "الحفاظات" الكمّامات عن وجوهنا، ولنواجه بما سلّحتنا به الطبيعة من إمكانيات دفاع طبيعية في أجسادنا، وهي إمكانيات عجائبية كاملة في تكوينها من حيث قدرتها على التغلب على أيِّ دخيلٍ يفتك بأجسادنا. على ألا ننسى أن منطق الحياة نفسه منذ البدء، قائم على أن البقاء للأقوى، وأن الديمومة للذين يستطيعون التكيّف. إذاً لا جديد في منطق السلامة، سيّما وأن ما كنّا نخاف منه قد حصل: أي إنّ كافة البلدان قد دعت للحجر والعزل، كي لا يتمّ استنزاف الطواقم الطبية والرعاية الإستشفائية للذين تستدعي إصابتهم بالفيروس التدخل الطبي، ريثما نستحصل على لقاحٍ مضاد. لكن بما أن المستشفيات حول العالم تغصّ بالمصابين فوق قدرة استيعابها، وبما أن اللقاحات كافة لا يمكنها الحؤول دون الإصابة بالفيروس بكافة تطوّراته الجينيّة الجديدة، أي أنواعه التي لن نتمكّن من معرفتها ولا من حصرها وبالتالي يستحيل إيجاد لقاح لفيروس يتطوّر دون توقّف.


 دعوا رجال العلم الشرفاء يقودون العالم إلى برّ الأمان، ولندع للطبيعة أن تقوم بالإنتقاء، سيّما وأننا كبشر، قد أثبتنا وبكل وسائلنا المتاحة ومعارفنا، قتل بعضنا البعض وتشويه الطبيعة والإنسان وكلّ ما هوّ حيّ وجميل وطاهر. لقد شوّهنا وجه الله، فلندع له أمر إصلاح ما يمكن إصلاحه، سيما وأن هذا الفيروس هو أحدالأسلحة التي ابتكرها الإنسان لمحاربة أخيه الإنسان، غير أن السحر انقلب على الساحر، وبات وضعنا محرجاً لا مخرج لنا منه سوى بالإنصياع إلى أصابع الوحش الذي صنّعناه في المختبرات الطبية، بهدف القتل لا بهدف الحياة، مخالفين بالتالي شرع الأرض والسماء.


ربيعة طوق