Friday, October 5, 2012

إنها تمطر


إنها تمطر.
أتخشى المطر؟ تعال. وهل يخشى المرء صديق؟ المطر زغاريد الأرض والسماء.
تحت ستر الخيمة الزرقاء الموشّحة بالغيم، سأتّحد بمعطفك لنمشي معاً تحت مظلّة المطر. نغتسل قليلاً. نغتسل كثيراً ونلقي بغبار العناء عن وجه ذاكرتنا.
أمطري.. أمطري بعد.. فحين تمطر أعانق الوجود بكليّتي.
المطر صلة الأرض بالسماء، بالخير، بالحب.
قطرة تلو القطرة ويمتلىء قلبي فرحاً.
قطرة تلو القطرة وترتوي روحي ريّاً.
قطرة تلو القطرة ويرقص جسدي تحت أنغام المطر.
إعزف يا مطر، الليلة سأراقص الكون على أنغام انهمارك السخيّ.
إنزل يا مطر، فبنزولك يطأ الإله أرض أيامي ويبارك وجودي.
سأرقص حتى الثمالة، فامطري يا غاليتي السماء. ها بخّور التراب يتصاعد إلى أنفي برائحته الملائكيّة على وقع نقاط مياهك تحيّي هبة الحياة.
سأرقص حتى الثمالة، ها العصافير تصفّق لي بأجنحتها من بين أغصان الشجر كما لو أنها أسراب راقصي فلامينغو.
سأرقص بملء شكري لكلّ " ق ط ر ة " ترسلها السماء، احتفاءً بالوجود، بالحب، بالضحكات، بالهمسات، بالترنيمات وبالصلوات.
قطرة غيثٍ أخرى وأتّحد بجزئيّتي مع الكلّ، وبكلّيّتي مع باقي الأجزاء.
الليلة المطر بيتي.. الليلة المطر وطني.. الليلة المطر كينونتي..

Thursday, October 4, 2012

ماء الحياة


يتصاعد وجهك في بالي،
متسلّلاً بين اللحظات،
كرائحة البنّ الطازج
يجتاحني كالكمنجات،
يغتالني بعزف حنينٍ لا أجد له الكلمات،
يسرق منّي كلّ الترتيبات..

فرغم جدار المسافات،
لا زال وجهك بالذات،
يغريني بالضحك كمثل صغار الفتيات،
يمدّني بالنوتات
 على سلالم النغمات،
فتزقزق أسراب السنونوات
في جلدي، حيث مررت يوماً باللمسات،
فعشّشت يدك في حنايا الخفقات،
فوق عشب جسدي وأمعنت في حبّ الفراشات،
تتطاير رفوفها في اشتياقي الذي ظننته مات..
لكنّ عشب الذكريات،
مخلصٌ لأخضر الوريقات،
حيث أكتب أنّ وجهك "ماء الحياة".

Friday, September 28, 2012

ما لي ولك يا مرآة؟


ما لي ولك يا مرآة؟ أولا تعلمين أنّي لست بحاجتك لأدقّق في تفاصيل وجهي وانحناءات أنفاسي؟ أنا امرأةٌ من عجينٍ سماويّ ولي مرآة بنبضٍ ألوهيّ.. مرآتي هي مرأى حبيبي، حيث تحدّد لي نظراته مقدار الضوء المسكوب على ثنايا وجهي وتنير لي ملامحي. ها أنا أرى تعرّجات خارطة جبيني حيث يرسم، بنظراته، مسار النجوم المتناثرة عليه، تلك النجوم التي تفلت سهواً من قبلةٍ طبعتها شفتاه على قمّة هذا الجبين، فتسامى، كمثل البريق الذي ينسكب سخيّاً من عينيه، كلّما وقفت قبالته لأتمرّى...

عيناه مرآتي التي أرتّب فيها انعكاسات أحلامي المتجسّدة. المرآة التي تصمّم مَدار ابتساماتي الفسيحة، تفرشها بالقصور والحدائق المبحرة بالأخضر، ثمّ تتحوّل إلى ضحكات تعزف على أوتار كمنجات روحي المعلّقة في خمر الصمت، في كأسي، يقترب من حافّة كأسه، نشرب نخب المرآة الكبرى التي تجسّد فيها، فجسّد هوية أنوثتي...

ما لي ولك يا كحل؟ ما لي ولك يا أحمر الشّفاه؟ زينةُ وجهي زينةٌ من نوع آخر.. ألوان تبرّجي تحدّدها ريشة ذراعيه التي تبحر في إيقاع خطواتي وترسم دائرة خصري في دائرة بؤبؤ عينيه...

Tuesday, September 18, 2012

قراءة من مذكرة ورقة



وريقة جديدة تطلّ رأسها من روزنامة أيامي. وكالمولود الجديد، تبتسم الوريقة لدقائق الصباح الأولى، تمسك بذيل ثوب أمّها الحياة وبيد رفيقتها التي هي أنا، وتسير بنا سويّاً لتبدأ نهارها. قليل من الوقت، تتحوّل الوريقة بزغبها النضر إلى ورقة تسطع بالإحتمالات والإبتسامات أو ربما بالإنكسارات، لكنّها تمضي بالرغم من اختلاف التبعات والأحداث. تسير بي على صفحات النهار غير متأثّرة بشيء، كما لو أنه يومها الأوّل والأخير. إنّه فعلاً كذلك. إنّه يومها الوحيد. . .

ورقة تورق، تليها أخرى في صباح اليوم التالي، أخرى للغد الثاني وأخريات للأيام المتتالية. واحدة تمرّ بصخب، واحدة بسكون، واحدة على عجلة، أخرى بكدّ وأخرى بصمت... جميعها مثمرة في جسدي. جميعها تحيّي عطر شراييني وتغدق عطرها في هذا الجسد: جسدي. جسد الأمس واليوم. جسد الأماني والمعاني التي تحملها هذه الوريقات كقضيّة يومية لها.

في هذه اللحظة بالذات، أفاضت إحدى تلك الورقات نبضها في جسدي. أدارت مفتاح أصابعي، وتمنّت عليّ الكتابة: شكراً لهذه الأنامل التي تنساب في ينابيع أعصابها الكلمات. شكراً لهذا الفكر المطواع الذي يلبّي كسيّد نبيل، رغبة السيّدة "لحظة" في الكتابة. شكراً لك يا أمي الحياة.

ها هي أختي الدهشة تنبّهني إلى أنّ النهار لملم بقع الضوء عن مداري الزمنيّ، يأخذه إلى مدار آخر، ليودعني في أحضان والدي الليل: "أب الأحلام". والدي لا يخلف في مواعيده. يأتي إليّ عند كلّ مساء محمّلاً ذراعيه الكثير من الدفء. تتثاءب الورقة المثقلة بنهار حفل بالأفعال مستعيناً بنبض عروقي، وتهمس في أذني بحنوّ: "أنا حبلى يا رفيقتي، وسيكون مولود الغد بانتظارك على بوابة الصحو." وما أن أرغب في تصوير شكلها وجدول مواعيدها، حتى تتغلغل دعوة والدي في مبسمي، مليئة بالأحلام التي تشكّلت لي خصيصاً، على شاكلة آمالي.

أغمض ناظري، فتتصاعد ترنيمة شكر لك يا أمي الحياة، لكلّ شجرة حيّتني اليوم، وكلّ زهرة أمالت بألوانها نحو وجهي، وكلّ عشب تصاعد أخضره إلى جبيني، وكلّ عصفور رسم دائرة خصري في أعالي السماء، أو خبّاً أمنية لي في شجرة سيتلحّف غصنها الليلة.

وكمثل هذا العصفور، ها أنا يا أبي، خذني إلى أرضك حيث الأحلام وفيرة والموسيقى غزيرة. معاً سنجوب مجرّات وعوالم جديدة كمثل كلّ ليلة. شكراً لكلّ حلم سترسمه في بصيرتي. 

Saturday, August 4, 2012

مغالبة



أغالب هوج الدقائق
في لون شعري وحنّاء الأيام،
عبثاً أتشبّث بعمر رغبةٍ ما مرّت بين الأنام،
ما رُسِّمت خارطة طقسها في مناخ الأحلام
وما عُرفت رحابة أرجائها في صرح السلام...

أغالب دقائق الهوج
تمرّ أعاصيراً في خصلات خَطوي، بينما البريق
تائهٌ على ناصية قلبٍ استقال من نبضه العريق
مع سيل ذكريات الحريق،
فيما الذاكرة بحرٌ في موجه غريق
والوجع عرّاب الوجهة والطريق...

دقائق هوجاء تغالب
فيّ أغانٍ تعزف لحن الأمان،
غير أنّها تائهةٌ لا تجد الكلام
لأعراسها فيما الحبّ مخمورٌ بعادة الملام
والوراء أبداً يتطاول فوق مقام الأمام...